الشيخ الطوسي
57
التبيان في تفسير القرآن
امتناع كل واحد من المعنيين ان يصح مع الاخر . يقول الله تعالى مخبرا عن عظمته وعلو شأنه ( تبارك الذي بيده الملك ) فمعنى تبارك بأنه الثابت الذي لم يزل ولا يزال . وأصل الصفة من الثبوت من البرك وهو ثبوت الطائر على الماء . ومنه البركة ثبوت الخير بنمائه . وقيل : معناه تعاظم بالحق من لم يزل ولا يزال ، وهو راجع إلى معنى الثابت الدائم . وقيل : المعنى تبارك من ثبوت الأشياء به إذ لولاه لبطل كل شئ لأنه لا يصح شئ سواه إلا مقدوره أو مقدور مقدوره ، الذي هو القدرة ، لان الله تعالى هو الخالق لها . وقيل : إن معناه تبارك لان جميع البركات منه ، إلا أن هذا المعنى مضمن في الصفة غير مصرح به ، وإنما المصرح به تعالى باستحقاق التعظيم . وقوله ( الذي بيده الملك ) معناه الذي يجب كونه قادرا وانه السلطان العظيم الذي كل ملك له ، ليس من ملك إلا داخل فيه لان الله تعالى مالك الملوك ، وممكنهم منها . والملك هو اتساع المقدور لمن له السياسة والتدبير . وقوله ( وهو على كل شئ قدير ) معناه إن الذي بيده الملك والسلطان القادر على كل شئ يصح أن يكون مقدورا له وهو أخص من قولنا : وهو بكل شئ عليم ، لأنه تعالى يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما في نفسه ، ولا يوصف بكونه قادرا إلا على ما يصح أن يكون مقدورا له ، لان مقدور القدرة لا يصح أن يكون مقدورا له ، وكذلك ما تقضى وقته مما لا يبقى لا يصح أن يكون مقدورا في نفسه . ثم وصف تعالى نفسه فقال ( الذي خلق الموت والحياة ) أي خلق الموت للتعبد بالصبر عليه ، والحياة للتعبد بالشكر عليها . وقيل : وجه خلق الموت والحياة للابتلاء هو ما فيها من الاعتبار المؤدي إلى تثبيت قادر على الأضداد مع التحذير